مجمع البحوث الاسلامية
183
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الأنباء الّتي يحذرون أن يطّلع عليها النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وتنجلي للنّاس ، وهذا هو الّذي يذكر ذيلها أنّهم يحذرونه ، فالكلام بمنزلة أن يقال : يحذر المنافقون تنزيل سورة قل إنّ اللّه منزّلها ، أو يقال : يحذر المنافقون انكشاف باطن أمرهم وما في قلوبهم قل استهزأوا إنّ اللّه سيكشف ذلك وينبئ عمّا في قلوبكم . وبما تقدّم يظهر سقوط ما أشكل على الآية أوّلا : بأنّ المنافقين لكفرهم في الحقيقة لم يكونوا يرون أنّ القرآن كلام منزّل من عند اللّه ، فكيف يصحّ القول : إنّهم يحذرون أن تنزّل عليهم سورة ؟ وثانيا : أنّهم لمّا لم يكونوا مؤمنين في الواقع ، فكيف يصحّ أن يطلق أنّ سورة قرآنيّة نزّلت عليهم ولا تنزّل السّورة إلّا على النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله أو على المؤمنين ؟ وثالثا : أنّ حذرهم نزول السّورة وهو حال داخليّ جدّيّ فيهم لا يجامع كونه استهزاء . ورابعا : أنّ صدر الآية يذكر أنّهم يحذرون أن تنزّل سورة ، وذيلها يقول : إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ فهو في معنى أن يقال : إنّ اللّه مخرج سورة أو مخرج تنزيل سورة . وقد يجاب عن الإشكال الأوّل بأنّ قوله : يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ إلخ ، إنشاء في صورة خبر ، أي ليحذر المنافقون أن تنزّل عليهم سورة « إلخ » . وهو ضعيف ؛ إذ لا دليل عليه أصلا على أنّ ذيل الآية لا يلائم ذلك ؛ إذ لا معنى لقولنا : ليحذر المنافقون ، كذا قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ أي ما يجب عليكم حذره ، وهو ظاهر . وقد يجاب عنه بأنّهم إنّما كانوا يظهرون الحذر استهزاء لا جدّا وحقيقة . وفيه أنّ لازمه أنّهم كانوا على ثقة بأنّ ما في قلوبهم من الأنباء وما أبطنوه من الكفر والفسوق لا سبيل للظّهور والانجلاء إليه ، ولا طريق لأحد إلى الاطّلاع عليه ، ويكذّبه آيات كثيرة في القرآن الكريم تقصّ ما عقدوا عليه القلوب من الكفر والفسوق ، وهمّوا به من الخدعة والمكيدة ، كالآيات من سورة البقرة وسورة المنافقين وغيرهما ؛ وإذ كانوا شاهدوا ظهور أنبائهم ومطويّات قلوبهم عيانا مرّة بعد مرّة ، فلا معنى لثقتهم بأنّها لا تنكشف أصلا ، وإظهارهم الحذر استهزاء لا جدّا ، وقد قال تعالى : يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ المنافقون : 4 . وقد يجاب عنه بأنّ أكثر المنافقين كانوا على شكّ من صدق الدّعوة النّبويّة ، من غير أن يستيقنوا كذبه ، وهؤلاء كانوا يجوّزون تنزيل سورة تنبّؤهم بما في قلوبهم احتمالا عقليّا ، وهذا الحذر والإشفاق - كما ذكروه - أثر طبيعيّ للشّكّ والارتياب ، فلو كانوا موقنين بكذب الرّسول صلّى اللّه عليه وآله لما خطر لهم هذا الخوف على بال ، ولو كانوا موقنين بصدقه لما كان هناك محلّ لهذا الخوف والحذر ، لأنّ قلوبهم مطمئنّة بالإيمان . وهذا الجواب - وهو الّذي اعتمد عليه جمهور المفسّرين - وإن كان بظاهره لا يخلو عن وجه ، غير أنّ فيه أنّه إنّما يحسم مادّة الإشكال لو كان الواقع من التّعبير في الآية نحوا من قولنا : يخاف المنافقون أن تنزّل عليهم سورة ، ولذا قرّروا الجواب بأنّ الخوف يناسب الشّكّ دون اليقين .